حقبة جديدة من النزاهة المالية في دولة الإمارات: فهم المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2025
شهد المشهد التنظيمي المالي في دولة الإمارات تحولاً جذرياً وتاريخياً؛ ففي أواخر عام 2025، أصدرت حكومة الإمارات المرسوم بقانون اتحادي رقم (10) لسنة 2025، ملغيةً بذلك قانون مواجهة غسل الأموال لعام 2018 الذي ظل سارياً لفترة طويلة.
لا يُعد هذا التغيير مجرد "تعديل طفيف" أو تحديث عابر، بل هو إصلاح شامل ومدروس لترسيخ مكانة دولة الإمارات كدولة رائدة عالمياً في مكافحة الجرائم المالية. وسواء كنت شركة ناشئة محلية أو مؤسسة متعددة الجنسيات، فإن قواعد اللعبة قد تغيرت كلياً.
1. الإضافة الكبرى: تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل (CPF)
لأول مرة، استحدثت دولة الإمارات جريمة قائمة بذاتها وهي تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
- ماذا يعني ذلك: أصبح تقديم الأموال أو الخدمات المالية أو الأصول المستخدمة في تصنيع أو حيازة الأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية (ومنظومات إيصالها) جريمة محددة ومستقلة.
- الأثر والتداعيات: يتعين الآن على الشركات العاملة في قطاعات الخدمات اللوجستية، وتمويل التجارة، والتصنيع، تطبيق إجراءات تدقيق "مكافحة تمويل الانتشار" (CPF) جنباً إلى جنب مع بروتوكولات مواجهة غسل الأموال المعمول بها لديهم.
2. خفض معيار إثبات "العلم" بالجريمة
يُعد تغيير كيفية قياس "القصد الجنائي" أحد أهم وأبرز التعديلات القانونية.
- المعيار القديم: كان يتعين على الادعاء في كثير من الأحيان إثبات العلم الفعلي بوقوع الجريمة.
- المعيار الجديد: أصبح بالإمكان الآن استنتاج العلم من خلال الظروف والملابسات الموضوعية. فإذا كان من شأن الشخص الطبيعي المعتاد الاشتباه في عدم مشروعية الأموال، فقد تخضع أنت أو شركتك للمساءلة القانونية. ويجعل هذا "الاختبار الموضوعي" إدانة المخالفين أيسر بكثير بالنسبة للسلطات المختصة.
3. الأصول الافتراضية تنتقل إلى صدارة المشهد
أدمج قانون عام 2025 صراحةً مزودو خدمات الأصول الافتراضية (VASPs) والتقنيات الرقمية ضمن الإطار التشريعي والتنظيمي.
- حظر إخفاء الهوية: يحظر القانون بشكل صارم التعامل في الأصول الافتراضية "المعززة لإخفاء الهوية" (عملات الخصوصية) أو الترويج لها، نظراً لأنها تعيق قدرة السلطات على تتبع المعاملات.
- الترخيص إلزامي: يترتب على ممارسة نشاط مزود خدمات الأصول الافتراضية (VASP) دون ترخيص عقوبات جنائية مشددة، تشمل الحبس وغرامات تصل إلى 10 ملايين درهم إماراتي.
4. عقوبات أشد ومسؤولية غير محدودة
بلغت المخاطر والتبعات المالية أعلى مستوياتها على الإطلاق.
- الغرامات على الشركات: تواجه الشركات المُدانة بارتكاب جرائم غسل الأموال الآن غرامات تتراوح بين 5 ملايين درهم إماراتي إلى 100 مليون درهم إماراتي، أو ما يعادل قيمة الأموال محل الجريمة — أيهما أكبر.
- المسؤولية الشخصية: يمكن الآن مساءلة المديرين وأعضاء مجالس الإدارة بصفاتهم الشخصية عن أوجه القصور والإخفاق في الامتثال لقوانين مواجهة غسل الأموال داخل مؤسساتهم.
- عدم سقوط الدعوى بالتقادم: من النقاط الجوهرية أن قانون 2025 ألغى سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ إذ يمكن ملاحقة هذه الجرائم قضائياً مهما طال الزمن على ارتكابها.
5. صلاحيات موسعة لوحدة المعلومات المالية (FIU)
مُنحت وحدة المعلومات المالية (FIU) صلاحيات استثنائية للتحرك السريع والحاسم:
- الحجز على المعاملات: أصبح بإمكان وحدة المعلومات المالية الآن تعليق المعاملات المشبوهة لمدة تصل إلى 10 أيام عمل دون إشعار مسبق.
- تجميد لفترات أطول: لديهم السلطة لتجميد الأموال المشتبه بارتباطها بأنشطة إجرامية لمدة 30 يوماً (قابلة للتمديد)، مقارنة بالحد السابق البالغ 7 أيام.
أبرز النقاط المستفادة للشركات
إذا كنت تمارس أعمالك في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن نهج "الانتظار والترقب" فيما يتعلق بالامتثال لم يعد خياراً مجدياً. للبقاء محمياً، يتعين عليك:
- تحديث تقييم المخاطر لديك: التأكد من أن سياساتك الداخلية تغطي "تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل" و"التهرب الضريبي" كجرائم أصلية.
- مراجعة التعامل مع الأصول الافتراضية: حتى وإن لم تكن شركة تعمل في مجال العملات المشفرة، تحقق مما إذا كان عملاؤك أو موردوك يستخدمون الأصول الرقمية للمدفوعات.
- تعزيز الإبلاغ عن المستفيد الحقيقي: أصبح تقديم معلومات غير صحيحة عن المستفيدين الحقيقيين جريمة جنائية قائمة بذاتها.
- تدريب فريق العمل لديك: نظراً لأن "الاشتباه المعقول" أصبح الآن معياراً قانونياً، يجب أن يتمتع موظفوك بالخبرة الكافية لرصد المؤشرات التحذيرية.
الخلاصة: يحمل القانون رقم 10 لسنة 2025 رسالة واضحة من دولة الإمارات: الأبواب مفتوحة للأعمال المشروعة، لكنها تُوصد بإحكام في وجه الجرائم المالية. لم يعد الامتثال مجرد إجراء شكلي لاكتمال المتطلبات، بل ركيزة أساسية لاستمرارية الأعمال.
